ابن عربي

159

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

ولا حجاب ، فلازمها الخوف ملازمة الظل للشخص ، فلا يتقوى صاحب الطبيعة إلا إذا كان مؤيدا بالروح ، فلا يؤثر فيه خور الطبيعة ، فإن الأكثر فيه أجزاء الطبيعة ، وروحانيته التي هي نفسه المدبرة له موجودة أيضا عن الطبيعة فهي أمها ، وإن كان أبوها روحا ، فللأم أثر في الابن فإنه في رحمها تكوّن ، وبما عندها تغذى ، فلا تتقوى النفس بأبيها إلا إذا أيدها اللّه بروح قدسي ينظر إليها ، فحينئذ تقوى على حكم الطبيعة فلا تؤثر فيها التأثير الكلي وإن بقي فيه أثر ، فإنه لا يمكن زواله بالكلية ، ولما كان عيسى عليه السلام روحا كما سماه اللّه أنشأه روحا في صورة إنسان ثابتة ، فكان يحيي الموتى بمجرد النفخ ، ثم إنه أيده بروح القدس فهو روح مؤيد بروح طاهرة من دنس الأكوان . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 88 ] وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ ( 88 )

--> أرسلنا رسلا تترى ، يقال قفاه إذا اتبعه من قفاه ، كما يقال واجهه إذا جاءه من جهة وجهه ، فإنه جاء بغده يوشع وشمويل وشعيا وأورميا وداود وغيرهم ، وكلما جاء أمة رسولها كذبوه إلى أن جاء عيسى ابن مريم « وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ » وهو أيشوع بالسريانية ، والمريم من النساء كالزير من الرجال ، فأعطاه اللّه من البينات ما جاء ذكره في القرآن « وَأَيَّدْناهُ » يقول وقويناه « بِرُوحِ الْقُدُسِ » فيه وجهان ، الواحد أنا خلقناه مطهرا من الشهوة الطبيعية التي تكون عن النكاح ، فإنه لم يكن عن نكاح ، فليس للطبيعة فيه أثر ، فكأنه خلق مؤيدا بأصل نشأته ، فلم يجدوا له قومه ما يثلبونه به ، والوجه الثاني يعني جبريل عليه السلام ، فجعلناه له ركنا يأوي إليه ويتقوى جأشه به عند منازعة قومه ، فكانت اليهود قد قالت لمحمد عليه السلام : إن من جاء قبلك من الرسل جاءوا بالبينات ، فأت أنت بمثل ما جاءوا به ، فأنزل اللّه عليه « أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ » يعني أن طلبهم البينات كان دفعا لنبوته حتى لا يؤمنوا به ، فإنه من أعظم البينات له كونه مذكورا في كتابهم بنعته واسمه ، وفي الإنجيل ، كما أخبر اللّه تعالى أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، يقول « اسْتَكْبَرْتُمْ » عن اتباع أمثال الرسل وعن اتباعي « فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ » وما سلطتم عليهم « وَفَرِيقاً » أيضا من الأنبياء « تَقْتُلُونَ » قتلتم كيحيى وزكريا وغيرهما ، وأردتم قتلي بما جعلتم في ذراع الشاة من السم ، ولكن عصمني اللّه منكم ، ولكن مع هذا قال عليه السلام [ ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان قطعت أبهري ] لتحصل له الشهادة التي هي أشرف الموتات ، فلما عرفت اليهود أن الذي قاله حق ولم تكن لهم حجة يحتجون بها ( 89 ) « وَقالُوا